ابن كثير

184

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

رعت نحله شجر العرفط الذي صمغه المغافير ، فلهذا ظهر ريحه في العسل الذي شربته . قال الجوهري : جرست النحل العرفط تجرس إذا أكلته ، ومنه قيل للنحل جوارس ، قال الشاعر : [ الطويل ] تظلّ على الثمراء منها جوارس « 1 » وقال الجرس والجرس الصوت الخفي ، ويقال : سمعت جرس الطير إذا سمعت صوت مناقيرها على شيء تأكله ، وفي الحديث « فيسمعون جرس طير الجنة » قال الأصمعي : كنت في مجلس شعبة ، قال : فيسمعون جرش طير الجنة بالشين فقلت جرس فنظر إلي فقال : خذوها عنه فإنه أعلم بهذا منا ، والغرض أن هذا السياق فيه أن حفصة هي الساقية للعسل ، وهو من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن خالته عائشة ، وفي طريق ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة أن زينب بنت جحش هي التي سقته العسل ، وأن عائشة وحفصة تواطأتا وتظاهرتا عليه فاللّه أعلم . وقد يقال إنهما واقعتان ولا بعد في ذلك إلا أن كونهما سببا لنزول هذه الآية فيه نظر ، واللّه أعلم . ومما يدل على أن عائشة وحفصة رضي اللّه عنهما هما المتظاهرتان الحديث الذي رواه الإمام أحمد « 2 » في مسنده حيث قال : حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن أبي ثور عن ابن عباس قال : لم أزل حريصا على أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اللتين قال اللّه تعالى : إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما حتى حج عمر وحججت معه ، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة فتبرز ، ثم أتاني فسكبت على يديه فتوضأ فقلت : يا أمير المؤمنين ، من المرأتان من أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اللتان قال اللّه تعالى : إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما فقال عمر : وا عجبا لك يا ابن عباس : قال الزهري : كره واللّه ما سألته عنه ولم يكتمه قال : هي عائشة وحفصة . قال : ثم أخذ يسوق الحديث قال : كنا معشر قريش قوما نغلب النساء ، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم قال : وكان منزلي في دار أمية بن زيد بالعوالي ، قال : فغضبت يوما على امرأتي فإذا هي تراجعني فأنكرت أن تراجعني فقالت :

--> ( 1 ) عجزه : مراضيع صهب الرّيش زغب رقابها والبيت لأبي ذؤيب الهذلي في شرح أشعار الهذليين ص 51 ، ولسان العرب ( رقب ) ، ( زغب ) ، ( ثمر ) ، ( جرس ) ، ( ريش ) ، ( رضع ) ، والمخصص 11 / 6 ، والتنبيه والإيضاح 2 / 93 ، 263 ، وتاج العروس ( ثمر ) ، ( خرس ) ، ( رضع ) ، وتهذيب اللغة 10 / 579 ، 15 / 85 ، وأساس البلاغة ( جرس ) ، وللهذلي في مجمل اللغة 1 / 421 ، وبلا نسبة في المخصص 8 / 181 ، 16 / 42 . ( 2 ) المسند 1 / 33 ، 34 .